الجصاص
219
أحكام القرآن
يكون جاء البأس من قبل الغار ، فاتهم عمر الرجل وقال : عسى أن يكون الأمر جاء من قبلك في هذا الصبي اللقيط بأن يكون من مائك ، فلما شهدوا له بالستر أمره بإمساكه وقال : ولاؤه لك . وجائز أن يريد بالولاء ههنا إمساكه والولاية عليه وإثبات هذا الحق له كما لو كان عبدا له فأعتقه ، لأنه تبرع بأخذه وإحيائه والإحسان إليه ، وقد أخبر عمر أنه حر فلا يخلو من أن يكون ذلك على وجه الإخبار بأنه حر الأصل ولا رق عليه أو إيقاع حرية عليه من قبله ، ومعلوم أن عمر لم يملكه ولم يكن عبدا له فيعتقه ، فعلمنا أنه أراد الإخبار بأنه حر لا يجرى عليه رق ، وإذا كان حر الأصل لم يجز أن يثبت ولاؤه لإنسان ، فعلمنا أنه أراد بقوله : " لك ولاؤه أي لك ولايته في الإمساك والحفظ . وما روي عن عمر وعائشة أنهما قالا في أولاد الزنا : " أعتقوهم وأحسنوا إليهم " ، فإنما معناه : احكموا بأنهم أحرار . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه " ، وذلك إخبار منه بوقوع العتاق بالملك لا يحتاج إلى استينافه . وقد روى المغيرة عن إبراهيم في اللقيط يجده الرجل قال : " إن نوى أن يسترقه كان رقيقا وإن نوى الحسبة عليه كان عتيقا " . وهذا لا معنى له لأنه إن كان حرا لم يصر رقيقا بنية الملتقط ، وإن كان عبدا لم يصر عتيقا بنيته أيضا . وأيضا إن الأصل في الناس الحرية وهو الظاهر ، ألا ترى أن من وجدناه يتصرف في دار الاسلام أنا نحكم بحريته ولا نجعله عبدا إلا ببينة تشهد بذلك أو بإقراره ؟ وأيضا فإن اللقيط لا يخلو من أن يكون ولد حرة أو أمة ، فإن كان ولد حرة فهو حر وغير جائز استرقاقه ، وإن كان ولد أمة فهو عبد لغير الملتقط ، فلا يجوز لنا أن نتملكه ، ففي الوجوه كلها لا يجوز أن يكون اللقيط عبدا للملتقط . وأيضا فإن الرق طارئ والأصل الحرية ، كشئ علمناه ملكا لإنسان وادعى غيره زواله إليه فلا نصدقه ، لأنه يدعي معنى طارئا ، كذلك حكم الملتقط فيما يثبت له من رق اللقيط . وأيضا لما كان لقطة المال لا توجب للملتقط ملكا فيها مع العلم بأنه ملك في الأصل ، كان التقاط اللقيط الذي لا يعلم رقه أحرى أن لا يوجب للملتقط ملكا . وقد روى حماد بن سلمة عن عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب أن رجلا تزوج امرأة فولدت لأربعة أشهر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لها صداقها بما استحل من فرجها وولدها مملوك له " ، وهو حديث شاذ غير معمول عليه ، لأن أكثر ما فيه أنه ولد زنا إذا كان من حرة فهو حر ، ولا خلاف بين الفقهاء في أن ولد الزنا واللقيط حران . قوله تعالى : ( وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ) ، قال الفراء : الثمن ما يثبت في الذمة بدلا من البياعات من الدراهم والدنانير . قال أبو بكر : ظاهر الكلام يدل عليه ، لأنه سمى الدراهم ثمنا بقوله : ( وشروه بثمن ) ، وقول الفراء مقبول من طريق اللغة ، فإذا